محمد الغزالي
189
فقه السيرة ( الغزالي )
إنّ مكانة المسجد في المجتمع الإسلامي ، تجعله مصدر التوجيه الروحي والمادي ؛ فهو ساحة للعبادة ، ومدرسة للعلم ، وندوة للأدب ، وقد ارتبطت بفريضة الصلاة وصفوفها أخلاق وتقاليد هي لباب الإسلام ، لكنّ الناس - لما أعياهم بناء النفوس على الأخلاق الجليلة - استعاضوا عن ذلك ببناء المساجد السامقة ، تضم مصلين أقزاما ! ! . أما الأسلاف الكبار فقد انصرفوا عن زخرفة المساجد وتشييدها إلى تزكية أنفسهم وتقويمها ، فكانوا أمثلة صحيحة للإسلام . والمسجد الذي وجّه الرسول صلى اللّه عليه وسلم همته إلى بنائه قبل أي عمل اخر بالمدينة ، ليس أرضا تحتكر العبادة فوقها ؛ فالأرض كلها مسجد ، والمسلم لا يتقيّد في عبادته بمكان . إنّما هو رمز لما يكترث له الإسلام أعظم اكتراث ، ويتشبّث به أشدّ تشبث ؛ وهو وصل العباد بربهم وصلا يتجدّد مع الزمن ، ويتكرّر اناء الليل والنهار ، فلا قيمة لحضارة تذهل عن الإله الواحد ، وتجهل اليوم الآخر ، وتخلط المعروف بالمنكر ! . والحضارة التي جاء بها الإسلام تذكّر أبدا باللّه وبلقائه ، وتمسك بالمعروف ، وتبغّض في المنكر ، وتقف على حدود اللّه . ولقد شاهد يهود المدينة ومشركوها هذا الرسول الجديد صلى اللّه عليه وسلم يحتشد مع صحبه في إقامة المسجد ، يمهّده للصلاة ؛ فهل رأوا سيرة تريب أو مسلكا يغمز ؟ ! . روى البيهقيّ ، عن عبد الرحمن بن عوف « 1 » ، قال : كان أول خطبة خطبها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة أن قام فيهم ، فحمد اللّه ، وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : « أمّا بعد : أيها الناس ! فقدّموا لأنفسكم ، تعلمنّ واللّه ليصعقنّ أحدكم ، ثم
--> ( 1 ) هذا خطأ ؛ وإنما رواه البيهقي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، قال . . . فذكره . هكذا أورده الحافظ ابن كثير في ( البداية ) : 3 / 214 ، ثم أعلّه بالإرسال . وقد روى ابن جرير : 2 / 115 - 116 ، بسند صحيح عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي : أنه بلغه عن خطبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أول جمعة صلاها بالمدينة . . . فذكرها ، وهي مغايرة كلّ المغايرة لخطبة أبي سلمة ؛ وهي ضعيفة أيضا لأنّها معضلة ؛ الجمحيّ هذا يروي عن أتباع التابعين مثل هشام بن عروة وغيره .